محمد حسين الذهبي
412
التفسير والمفسرون
الحالين تأثير ؛ لأنه لو كان تخلل الموت يزيل الذكر ؛ لكان تخلل النوم ، والسكر ، والجنون ، والإغماء من أحوال العقلاء يزيل ذكرهم لما مضى من أحوالهم ؛ لأن سائر ما عددناه مما ينفى العلوم يجرى مجرى الموت في هذا . وليس لهم أن يقولوا : إذا جاز في العاقل الكامل أن ينسى ما كان عليه في حال الطفولية جاز ما ذكرناه ، وذلك إنما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادعوه إذا كملت عقولهم ، من حيث يجرى عليهم وهم كاملوا العقول ، ولو كانوا بصفة الأطفال في تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه . على أن تجويز النسيان عليهم ينقض الغرض في الآية ؛ وذلك أن اللّه تعالى أخبرنا بأنه إنما قررهم وأشهدهم ؛ لئلا يدعوا يوم القيامة الغفلة وسقوط الحجة عنهم ، فإذا جاز نسيانهم له ، عاد الأمر إلى سقوط الحجة وزوالها . وإن كانوا على الصفة الثانية من فقد العقل وشرائط التكليف ، قبح خطابهم ، وتقريرهم ، وإشهادهم ، وصار ذلك عبثا قبيحا . فإن قيل قد أبطلتم قول مخالفيكم ، فما تأويلها الصحيح عندكم ؟ . قلنا في الآية وجهان : أحدهما : أن يكون تعالى إنما عنى بها جماعة من ذرية بني آدم ، خلقهم وبلغهم ، وأكمل عقولهم ، وقررهم على ألسن رسله عليهم السلام بمعرفته ، وما يجب من طاعته ، فأمروا بذلك ، وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، أو يعتذروا بشرك آبائهم . وإنما أتى من اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظن أن اسم الذرية لا يقع إلا على من لم يكن عاقلا كاملا ، وليس الأمر كما ظن ؛ لأنه سمى جميع البشر بأنهم ذرية آدم وإن دخل فيهم العقلاء الكاملون ، وقد قال تعالى « رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ » « 1 » ولفظ الصالح لا يطلق إلا على من كان كاملا عاقلا ، فإن استبعدوا تأويلنا وحملنا الآية على البالغين المكلفين فهذا جوابهم . والجواب الثاني : أنه تعالى لما خلقهم وركبهم تركيبا يدل على معرفته ، ويشهد بقدرته ووجوب عبادته ، فأراهم العبر ، والآيات ، والدلائل ،
--> ( 1 ) في الآية ( 8 ) من سورة غافر .